محمد بيومي مهران

74

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

يوسف ، وكذا قصة إسماعيل عليها السلام ، فقصة يوسف قصة إنسان قد تمرس منذ طفولته بآفات الطبائع البشرية ، من حسد الإخوة إلى غواية المرأة إلى ظلم السجن ، إلي تكاليف الولاية وتدبير المصالح في إبان الشدة والمجاعة ، وقصة إسماعيل تتخللها هذه التجارب الإنسانية من عهد الطفولة كذلك ، فيصاب بالغربة المنقطعة عن العشيرة وعن الزاد والماء ، وإن كان الأخطر من ذلك كله أن تكتب عليه التجارب الإنسانية ضريبة الفداء ، وهي في مفترق الطرق بين الهمجية التي كانت - في معظم مجتمعات الشرق القديم - لا تتورع عن الذبائح البشرية ، وبين الإنسانية المهذبة التي لا تأبى الفداء بالحياة ، ولكنها تتورع عن ذبح الإنسان ، ثم يكتب لهذا الغلام الوحيد بواد غير ذي زرع عند البيت المحرم ، أن تنمي إليه أمة ذات شعوب وقبائل تتحول على يديها تواريخ العالم على مدى الأيام « 1 » . على أن أبرز قصص الأنبياء في القرآن الكريم قصتان مسهبتان في أجزائه لأنهما ترويان نبأ الرسالة بين أعرق أمم الحضارة الإنسانية ، وهما أمة وادي النهرين وأمة وادي النيل ، ومن أجل ذلك كانت قصة إبراهيم وموسى عليهما السلام أو في القصص بين جميع قصص الأنبياء ، وكانت الثورة فيهما على ضلال العقل في العبادة جامعة لأكثر العبادات المستنكرة في الزمن القديم « 2 » . وفي قصة نوح - عليه السلام - نرى كيف ينقاد الجهلاء للأمر والسطوة ، ولا ينقادون للحجة والدليل ، ويريدون من صاحب الدعوة أن يكون ملكا ، أو تكون عنده خزائن الأرض ، ويقولون له « قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين » « 3 » ، كما نرى كذلك أن المسيطرين على أقدار القوم يكرهون التغيير ، ويتشبثون بالقديم ، ويأخذون على النبي الكريم أن يتبعه أناس من غير ذوي السيادة والجاه « وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي ، وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين » « 4 » .

--> ( 1 ) عباس العقاد : الإسلام دعوة عالمية - القاهرة 1970 ص 218 - 219 ، وانظر كذلك قصة التضحية البشرية في كتابنا إسرائيل ص 207 - 209 ، قصة يوسف في مصر ص 225 - 245 . ( 2 ) عباس العقاد : المرجع السابق ص 218 . ( 3 ) سورة هود : آية 32 . ( 4 ) سورة هود : آية 27 .